محاضرات عميد المنبر الحسيني

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2015

في ذكرى شهادة الإمام الرضا(عليه السلام) نبذة عن حياته الشريفة..‏

قبة الإمام الرضا عليه السلام
لم يذكر المؤرّخون في شأن المولد الشريف للإمام علي بن موسى الرضا(عليه السّلام) تاريخاً محدّداً، فتتردّد سنة ولادته بين سنوات (151-153-148هـ). وقال بعضهم إنّ مولد الإمام الرضا(عليه السّلام) كان في نفس السنة التي استُشهد فيها جدّه الإمام الصادق(عليه السّلام)، إذ إنّ شهادة الإمام الصادق(عليه السّلام) مؤرّخة في الخامس والعشرين من شهر شوّال عام (148هـ)، وهو وُلد يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة (148) من الهجرة المحمّدية الشريفة، وهو الرأي الأقوى والأشهر. وقد قال به جماعةٌ كثيرة من العلماء والمؤرّخين، منهم: الشيخ المفيد والشيخ الكليني والكفعمي والطبرسي والشيخ الصدوق وابن زهرة وأبو الفداء وابن الأثير وابن الجوزي وغيرهم؛ أمّا محلّ المولد الشريف ومكانه.. فلا خلاف أنّه المدينة المنوّرة.

لُقِّبَ الإمام الرضا(عليه السلام) بمجموعةٍ من الألقاب الكريمة، وكلُّ لقبٍ منها يرمز إلى صفةٍ من صفاته الكريمة، وهذه بعضها: (الصابر) و (الزكيّ) و (الوفيّ) و (الفاضل) و (الصدّيق) و (سراج الله) و (قُرَّة عين المؤمنين) و(مكيدة الملحدين) و (كفو الملك) و (كافي الخلق) و (رئاب التدبير).

و(الرضا) هو أشهر ألقابه وصار اسماً يُعرف به. وقد عَلَّلَ العلماء السبب الذي من أجله لُقِّب بـ (الرضا) فقيل: إنّما سُمِّي(عليه السلام) الرضا، لأنّه كانَ رِضَاً لله تَعَالى في سَمَائِه، وَرِضَاً لِرسُوله والأئمة(عليهم السلام) بعده في أرضه. كما قيل: لُقِّب(عليه السلام) بذلك لأنه صَبَر على المِحَن والخُطُوب التي تَلَقَّاهَا مِن خُصُومِهِ وأعدَائِه.

أمّا أُمّه (عليه السّلام) فقد وردت لها عدّة أسماء وألقاب منها: (أمّ البنين) و (نجمة) و (سَكَن) و (شقراء) و (طاهرة) و (الخيزران).

أولاده من الذكور خمسة، ومن الإناث واحدة، وقد قال العلامة المجلسي إنّه (عليه السّلام) لم يترك إلّا ولداً واحداً، وهو وصيّه الإمام أبو جعفر محمّد الجواد(عليه السّلام).

وكانت مدّة إمامته بعد أبيه (20) سنة، وبداية إمامته متزامنةٌ مع نهاية خلافة هارون العباسي واستُشهِدَ في طوس من أرض خراسان في صفر (203هـ) وله يومئذ (55) سنة، بدأت إمامته الإلهية سنة (183هـ). وكانت دفّة الحكم السياسي يومذاك تُدار بيد هارون العبّاسي فـي بغداد. وكانت سياسته قائمة على ممارسة القسر والإكراه، إذ كان عملاؤه يقهرون النّاس على دفع الضرائب، ويضطهدون الشيعة الفاطميين وأبناءهم ويذبّحونهم، كما زجّوا نقيبهم وسيّدهم وعميدهم الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) فـي سجون البصرة وبغداد لسنوات طويلة ثمّ اغتالوه بالسمّ.

وهارون هذا إضافةً إلى ظلمه وجوره الجنونيّ، كان يبثّ أفكاراً غريبة مترجمة عن الفكر الغربـيّ فـي أوساط المسلمين العلمية، ليتسنّى له عبر هذا العمل أن يوجّه أنظار النّاس إلى العلوم الأجنبية، ويجعل أهل البيت(عليهم السّلام) فـي عُزلة علمية.

ولم يظهر الإمام الرّضا(عليه السلام) بإمامته فـي بداية الأمر نظراً إلى الأجواء السياسية السائدة بين المسلمين، وكانت صلته مقتصرة على أنصاره وشيعته دون غيرهم، لكنّه أظهرها فـي المدينة بعد مضيّ بضع سنين، مغتنماً الفرصة التـي أتيحت له، إذ أخذت حكومة هارون بالضّعف لوقوع الانتفاضات المختلفة، وتصدّى (عليه السلام) لرفع إشكالات الناس العقائدية، وعلاج مشاكلهم الاجتماعية.

يقول(عليه السلام): (كنت أجلس فـي روضة جدّي رسول الله(صلّى الله عليه وآله) والعلماء متوافرون بالمدينة، فإذا أعيى الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم وبعثوا إلـيّ المسائل فأجيب عنها).

أمّا هارون الرشيد الذي توجّه نحو خراسان لإخماد الاضطرابات هناك، فقد وافته المنية فيها سنة (193هـ) ودفن فـي سناباد بطوس فـي إحدى الغرف السفلى من قصر والـي طوس «حميد بن قحطبة الطائي» وإثر وفاته نشب الخلاف بين ولديه الأمين والمأمون، فتصدّر الأوّل مقام الحكم فـي بغداد، بينما تربّع الثانـي على العرش فـي مرو.

وظلّت نيران النزاع بين الأخوين متأجّجة طوال خمس سنوات، إلى أن شنّ جيشُ المأمون هجوماً على بغداد وفتك بالأمين سنة (198هـ)، وهكذا خلا وجه الحكم كلّه للمأمون.

بيد أنّ العلويّين والسّادة الذين ضاقوا ذرعاً بجور هارون وكانوا ساخطين على حكومة ولديه أيضاً، ثاروا فـي كلٍّ من العراق، والحجاز، واليمن، مطالبين بأن يكون الحكم بأيدي آل محمّد(عليهم السلام)، فعقد المأمون العزم على دعوة سيّدهم الإمام علي بن موسى الرّضا(عليه السلام) إلى خراسان ليتمكّن من إخماد ثوراتهم، وتكون له مكانة فـي الجماهير الشيعية الغفيرة، ويتظاهر من خلال وجود الإمام(عليه السلام) فـي بلاطه بأنّ حكومته تحظى بتأييد الإمام(عليه السلام). لهذا وجّه أكثر من دعوةٍ إلى الإمام، لكنّه كان يواجه الرفض فـي كلّ مرّة، إلى أن أبدل الاستدعاء بالتهديد، فعلم الإمام الرضا(عليه السلام) أنّ المأمون لن يكفّ عنه، فشدّ الرحال نحو خراسان سنة (200هـ). حقناً لدماء شيعته وحرصاً منه على حرمتها.

زار الإمام(عليه السلام) قبر جدّه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليودّعه قبل مغادرته المدينة. فودّعه غير مرّة، وفـي كلّ مرّة كان يعود إلى المرقد الطاهر رافعاً صوته بالبكاء. ثمّ ضمّ نجله الجواد(عليه السلام) إليه وأخذه معه إلى المسجد وألصقه بجدار الحرم النّبوي الطاهر، وعوّذه بالرسول(صلى الله عليه وآله). ثمّ أمر جميع نوّابه ووكلائه أن يأتمروا بأمره، ويتجنّبوا مخالفته، وأعلم أصحابه الثقات أنّه خليفته من بعده.

الحؤول دون دخوله الكوفة:‏

لقد خُطّط مسار هجرة الإمام(عليه السلام) من المدينة إلى خراسان على نحوٍ يحول دون أيّ ردّ فعل شيعيّ علويّ محتمل، فعلى هذا الأساس مرّ موكب الإمام(عليه السلام) بالكوفة بعيداً عنها دون أن يدخلها.

هذا وقد اعتبر بعض الكتّاب مثل: اليعقوبـي والبيهقي، مسير الإمام(عليه السلام) من بغداد إلى البصرة لكنّ هذا الرأي أو الاحتمال لا يحظى بمصداقيةٍ تذكر، إذ إنّه:

أوّلاً: عدّ أغلبية الكتّاب مرور الإمام بالقادسية قطعياً لا يرقى إليه شكّ، وحسب هذا الافتراض فإنّنا لو أخذنا الشّرائط الجغرافية فـي الحسبان، لا يمكن أن تكون بغداد قد وقعت فـي مسيره(عليه السلام).

ثانياً: ورد فـي نقل البيهقي أنّ مبايعة طاهر ذي اليمينين للإمام فـي بغداد تمّت على ولاية عهده، وهذا ممّا لا أساس له من الصحّة، نظراً إلى حدوث قضية الولاية بعد هذا السّفر فـي مرو. وفوق ذلك نقل بعض المؤرّخين توجّه الإمام(عليه السلام) نحو الكوفة، حيث يقول السيد محسن أمين العاملي: «تفيد بعض الروايات أنّ الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) ومرافقيه قدموا إلى الكوفة عبر البصرة»، ويؤيد العلاّمة المجلسي أيضاً توجّه الإمام إلى الكوفة. وربّما أريد بالسّفر إلى البصرة والكوفة -فـي أخبار هؤلاء العظام- سفر آخر قام به الإمام قبل إشخاصه إلى خراسان.

واصل الإمام سفره باجتيازه القادسية، حيث دخل البصرة بعد ذلك -والبصرة مدينة بُنيت على أيدي المسلمين فـي عهد الخليفة الثّانـي وكان بناؤها قبل الكوفة- وكانت الظروف الموجودة فـي البصرة لصالح المأمون العبّاسي على ما يلوح من المصادر التاريخية المختلفة. ولو افترضنا ذلك، فمن البديهي أنّ المأمون كان يعتبر توجّه الإمام إلى البصرة والمرور بها فيه عملية دعائية لنفسه، وكان يحاول استغلال ذلك لصالحه. فيما تبقّى من المسير بعد البصرة دخل الإمام(عليه السلام) خوزستان برّاً أو بحراً وأقام فـي الأهواز عدّة أيام. وهناك مآثر لا تزال قائمة إلى الآن ممّا يذكّر بمرور الإمام بتلك المنطقة، مثل مسجد أسّسه الإمام(عليه السلام). يقول أبو هاشم الجعفري: «لـمّا بعث المأمون رجاء بن أبـي الضحّاك لحمل أبـي الحسن علـي بن موسى الرّضا على طريق الأهواز... وكنت بالشرقي من آبيدج (موضع)، فلمّا سمعت به سرت إليه... وكان مريضاً وكان زمن القيظ، فقال: أبغنـي طبيباً. فأتيته بطبيب، فنعت له بقلة، فقال الطبيب: لا أعرف أحداً على وجه الأرض يعرف اسمها غيرك، فمن أين عرفتها إلا أنّها ليست فـي هذا الأوان، ولا هذا الزمان، قال له: فابغ لـي قصب السكّر، فقال الطبيب: وهذه أدهى من الأولى، ما هذا بزمان قصب السكّر، فقال الرضا(عليه السلام): هما فـي أرضكم هذه وزمانكم هذا، فامضيا مع أبـي هاشم إلى شاذروان الماء، واعبراه فيرفع لكم جوخان - أي بيدر- فاقصداه فستجدان رجلاً هناك أسود فـي جوخانة، فقولا له: أين منبت السكّر وأين منابت الحشيشة الفلانية؟ يقول أبو هاشم: فقمتُ وإذا الجوخان والرّجل الأسود. قال: فسألناه فأومأ إلى ظهره، فإذا قصب السكّر، فأخذنا منه حاجتنا.. فرجعنا إلى الرضا(عليه السلام)، فحمد الله. فقال لـي المطبّب: ابنُ مَنْ هذا؟ قلت: ابن سيّد الأنبياء. قال: فعنده من مقاليد النبوّة شيء؟ قلت: نعم، وقد شهدت بعضها وليس بنبـيّ. قال: وصيّ نبـيّ؟ قلت: أمّا هذا فنعم. فبلغ ذلك رجاء بن أبـي الضحّاك فقال لأصحابه: لئن أقام بعد هذا ليمدّن إليه الرّقاب، فارتحل به من رامْهُرمُز صوب نيسابور».

لقد وردت الحوادث إلى هذا الشوط من السفر فـي المصادر التاريخية كما نقلت الشوط الأخير من السفر -أي من نيسابور إلى مرو- واضحاً جلياً، إلّا إنّ تفصيل حركته(عليه السلام) بين الأهواز ونيسابور ليس واضحاً كلّ الوضوح. وهناك احتمالات عديدة فيما يخصّ طريق سفر الإمام(عليه السلام) هي:

-الأهواز ـ فارس ـ أصفهان ـ قم ـ الرّي ـ سمنان ـ دامغان ـ نيسابور.

-الأهواز ـ أصفهان ـ عبور الجبال ـ جبل آهوان ـ سمنان ـ نيسابور.

-الأهواز ـ أصفهان ـ يزد ـ طبس ـ نيسابور.

-الأهواز ـ فارس ـ كرمان ـ طبس ـ نيسابور.

وقد وردت أخبار أخرى فـي كتاب «إثبات الوصية» وكان الإمام(عليه السلام) بطبيعة الحال قد مرّ بمنازل ومدن أصغر أثناء مسيره. لكن ذكرت أهمّ المدن فـي الاحتمالات المذكورة دون القرى والمحلاّت الصغيرة. وقد ذكر المحدّث القمّي النّقل الآتي عن دليل قافلة الإمام(عليه السلام) وجمّالها: (لمّا بلغنا إلى قريتـي (كرند أو كرمند أصفهان)، طلبت من الإمام(عليه السلام) أن يخطّ لـي حديثاً بيده (كتذكار) فأهدى إلـي هذا الحديث: «كن محبّاً لآل محمّد(صلى الله عليه وآله) وإن كنتَ فاسقاً، ومحبّاً لمحبّيهم وإن كانوا فاسقين»).

أجل لقد خلّف الإمام(عليه السلام) مآثر وراءه لدى مروره بالمدن أو القرى سواءً كانت مآثر لفظية كالحديث المذكور أعلاه، ومآثر لأبنيةٍ وضع الإمام(عليه السلام) حجرها الأساس، أو غيرها من الآثار كتفجير عيون الماء وغرس الأشجار وسواهما.

موافاته قم:‏

على الرغم من أنّ مشاهير المؤرّخين يذهبون إلى أنّ قم كانت حسب تدبير المأمون فـي عداد المدن التـي يجب ألّا يمرّ بها الإمام(عليه السلام)، فإنّ منهم من يذهب إلى أنّ الإمام(عليه السلام) قد وافاها عن طريق أراك أو أصفهان. يقول المحدّث القمّي مستنداً إلى نقل السيد بن طاووس: «لمّا طلب المأمون الرضا(عليه السلام) من خراسان توجّه من المدينة إلى البصرة، ولم يصل الكوفة، ومنها توجّه على طريق الكوفة إلى بغداد ثمّ قم». لكنّ المشهور أنّ مسير الإمام(عليه السلام) كان يمرّ من أصفهان أو قربها إلى طبس ونيسابور.

دخل الإمام الرّضا(عليه السلام) مرو عاصمة المأمون بعد مروره بنيسابور وغيرها من المناطق الأخرى، فاستقبله المأمون وأكرم وفادته.

وقد بذل المأمون جهوداً كبيرة لتنفيذ خططه السّياسية. وقال للإمام الرّضا(عليه السلام) مبتدئاً: «إنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك.» لكنّ الإمام(عليه السلام) رفض هذا الاقتراح وأجاب قائلاً: «إن كانت هذه الخلافة لك والله جعلها لك، فلا يجوز لك أن تخلع لباساً ألبسكه الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك، فلا يجوز لك أن تجعل لـي ما ليس لك».

لم يكفّ المأمون عن اقتراحه، واستمرّت المفاوضات شهرين اثنين. وأخيراً أبدل اقتراح الخلافة باقتراح ولاية العهد، وقال للإمام(عليه السلام) بمنتهى الصلافة: «فبالله أُقسم لئن قبلتَ ولاية العهد وإلّا أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلّا ضربت عنقك».

ولمّا لم يجد الإمام(عليه السلام) بدّاً من ذلك، اضطرّ إلى قبول ولاية العهد بشروط اشترطها قائلاً: «إنّي داخل فـي ولاية العهد على أنْ لا آمر، ولا أنهى، ولا أفتـي ولا أقضي، ولا أولّي، ولا أعزل، ولا أغيّر شيئاً ممّا هو قائم، وتعفينـي من ذلك كلّه».

ويدلّ اشتراط هذه الشّروط على نقطة هامّة، هي أنّ الإمام الرّضا(عليه السلام) بوصفه نقيب العلويّين وإمام الشيعة يرى حكومة المأمون غير شرعية، وأنّه يكره أداء أيّ دورٍ فـي الإدارة السياسية للبلاد.

مهما يكن من أمر، فقد أُعلِن عن ولاية العهد رسمياً فـي رمضان سنة (201هـ) وكتب المأمون بذلك إلى شتّى أرجاء البلاد، وضرب الدراهم باسم الإمام الرضا(عليه السلام)، وزوّجه ابنته «أمّ حبيب»، وأبدل اللباس والرايات السود التـي كانت رمز العبّاسيين وشعارهم باللباس الأخضر والرايات الخضر. وقد أثارت هذه الخطوة حفيظة العبّاسيين وأزّمت الموقف فـي عاصمتهم بغداد وإن أثّرت إلى حدّ ما فـي تخفيف محنة العلويّين والشّيعة.

يقول أبو الصلت الهروي: «وجعل له ولاية العهد من بعده ليري النّاس أنّه راغب فـي الدّنيا فيسقط محلّه من نفوسهم، فلمّا لم يظهر منه فـي ذلك للنّاس إلّا ما ازداد به فضلاً عندهم ومحلّاً فـي نفوسهم، جلب عليه المتكلّمين من البلدان طمعاً فـي أن يقطعه واحدٌ منهم فيسقط محلّه عند العلماء ويشتهر نقصه عند العامّة، فكان لا يكلّمه خصمٌ من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدّهرية، ولا خصمٌ من فرق المسلمين المخالفين إلّا قطعه وألزمه الحجّة، وكان الناس يقولون: والله إنّه أولى بالخلافة من المأمون».

ولمّا رأى المأمون نفسه فـي مأزقٍ وعلم استياء العبّاسيّين واغتياظهم منه، قرّر أن ينقل العاصمة من مرو إلى بغداد، فتحرّك منها وفـي أثناء الطريق قضى على وزيره الإيرانـي «فضل بن سهل» فـي مدينة سرخس استرضاءً للعبّاسيّين والقوّاد. ولدى توقّفه فـي طوس آن الأوان للقضاء على علي بن موسى الرّضا(عليه السلام)، لذا أقام مجلساً سمّ فيه الإمام(عليه السلام) بسمّ ناقع ممّا أدّى إلى استشهاد الإمام(عليه السلام)، فحمل الجثمان الطاهر لفلذة كبد المصطفى(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى قرية سناباد (مشهد الحالية) ودفن في جانب القبلة من قبر هارون العبّاسيّ.

فصلوات الله وسلامه على ذلك الإنسان السّماوي والسيد الفاطمي يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً عند ربّه.

والمشهور أنّ الإمام(عليه السلام) استشهد فـي الأيام الأخيرة من صفر سنة (203هـ)، وتفيد بعض الروايات أنّه ولد له ولدٌ واحد فقط، اسمه «محمّد» ولقبه «الجواد»، وهو تاسع أئمّة الشيعة.

يقول ولده الجواد(عليه السلام) فـي زيارة مرقد أبيه الغريب: (ضمنت لمن زار قبر أبـي بطوس عارفاً بحقّه الجنّة على الله عزّ وجلّ).